في عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، لم تعد المرأة تطالب بمكان لها في الدبلوماسية، بل فرضت حضورها كإحدى القوى المؤثرة في تشكيل القرار الدولي. فهي ليست شاهدة على التحولات العالمية فحسب، بل شريكة في صناعتها؛ تقود مسارات الحوار، وتدافع عن قيم العدالة والمساواة، وتسهم في بناء التوافقات التي تحتاجها الدول والمجتمعات. وقد أثبتت التجربة أن إشراك النساء في صناعة السياسات الخارجية ليس خيارًا رمزيًا، بل ضرورة تعزز فرص السلام والاستقرار وتمنح العمل الدبلوماسي رؤية أكثر توازنًا وإنسانية.
وفي الرابع والعشرين من يونيو من كل عام، يحتفل العالم بـ«اليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية»، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2022 تقديرًا للإنجازات التي حققتها النساء في صياغة العلاقات الدولية وصناعة السلام، وللتأكيد على أهمية حضورهن القيادي في مراكز القرار حول العالم.
ويشكل هذا اليوم فرصة لتسليط الضوء على جملة من القضايا الأساسية، في مقدمتها الاعتراف بالدور الريادي الذي تؤديه النساء في السلك الدبلوماسي والمنظمات الدولية وعمليات بناء السلام. كما يؤكد على أن وجود المرأة في مواقع صنع القرار يسهم في بناء مجتمعات أكثر شمولًا وعدالة واستدامة، ويفتح المجال أمام مناقشة العوائق الهيكلية التي لا تزال تحد من وصول النساء إلى المناصب العليا في وزارات الخارجية والبعثات الدبلوماسية عالميًا.
ورغم التقدم المحقق خلال السنوات الأخيرة، تكشف الإحصاءات الدبلوماسية العالمية لعام 2026 أن الطريق ما زال طويلًا، إذ لا تتجاوز نسبة النساء اللواتي يشغلن مناصب السفراء والمندوبين الدائمين حول العالم نحو 22.5% فقط، وهو ما يعكس تقدمًا مستمرًا، وإن كان بوتيرة أبطأ من الطموحات المنشودة.
وعلى امتداد العقود الماضية، برزت أسماء نسائية استطاعت كسر القيود التقليدية وترك بصمة واضحة في تاريخ العلاقات الدولية. ففي الولايات المتحدة، ترأست إليانور روزفلت لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الأمم المتحدة. وفي الاتحاد السوفيتي، سطرت ألكسندرا كولونتاي اسمها كأول امرأة في التاريخ الحديث تُعيَّن سفيرة رسمية لبلادها، حيث قادت بعثات دبلوماسية مهمة في أوروبا خلال عشرينيات القرن الماضي.
وفي العالم العربي، برزت الدبلوماسية المصرية منى عمر من خلال إدارتها لملفات أفريقية معقدة خلال مسيرتها كمساعدة لوزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية. كما ساهمت الشيخة عائشة بنت سلمان آل خليفة في تعزيز الحضور النسائي الخليجي في المحافل والبعثات الدولية، لتكون من بين الرائدات اللواتي رسّخن حضور المرأة الخليجية على الساحة الدبلوماسية العالمية.
ورغم هذه الإنجازات، ما تزال المرأة الدبلوماسية تواجه تحديات ترتبط بالصور النمطية الجندرية التي تحصرها أحيانًا في الملفات الاجتماعية والإنسانية، بعيدًا عن القضايا السيادية والاستراتيجية. ومن هنا تتزايد الدعوات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة والمنظمات الدولية الشريكة إلى اعتماد سياسات أكثر دعمًا للكفاءات النسائية، وتوسيع فرص وصول النساء إلى المواقع القيادية، بما في ذلك تطبيق ما يُعرف بـ«الكوتا الدبلوماسية» لضمان تمثيل أكثر توازنًا في مراكز صنع القرار.
فالمرأة في الدبلوماسية لم تعد تثبت أحقيتها بالحضور، بل تؤكد يومًا بعد يوم قدرتها على التأثير وصناعة القرار. وهي اليوم شريك أساسي في رسم السياسات الدولية، وعنصر لا غنى عنه في بناء عالم أكثر توازنًا وسلامًا واستقرارًا.


