Categories محليات

Spin Propaganda: حين تُقلب الحقائق ويُخدع الرأي العام

بقلم جو خوري

تكلّمنا عن هذا الموضوع منذ أكثر من سنة في مقابلة مع الأستاذ راي حداد، وها نحن نجد أنفسنا اليوم أيضاً مضطرين إلى التذكير بهذه الوسيلة المتّبعة في عالم التواصل بكل مشاربه.
تعريف الـ Spin Propaganda:
المصطلح “Spin” (أو التدوير الإعلامي) هو شكل من أشكال البروباغندا يعتمد على تقديم تفسير متحيّز لحدث أو معلومة معينة بهدف التأثير على الرأي العام أو حشد الدعم لموقف ما. وبينما تسعى البروباغندا التقليدية أحياناً إلى اختلاق قصص من العدم، فإن “الـ Spin” يعتمد غالباً على حقائق موجودة، لكن يتم “ليّها” أو تقديمها من زاوية محددة جداً لإخفاء الجوانب السلبية وإبراز الجوانب بشكل أنها تخدم الجهة المرتكبة فقط.
البارحة شهدنا فصلاً من فصول هذا التدوير في منطقة “ساقية الجنزير”. فبينما الحقيقة الموضوعية هي أن أمن الدولة توجّه لتسطير مخالفة بحق أحد أصحاب المولدات الذي يستنزف جيوب المواطنين بتعرفته الجائرة، تحرّك ما يُسمّى بـ Spin Meisters (أساتذة التدوير) الذين يعمل معظمهم في الخفاء، لتحوير الحقيقة وتحويلها إلى صراع مذهبي. وهنا تم حشد الـ Spin Doctors (أطباء التدوير) الذين يطلّون عبر الشاشات ومواقع التواصل لقلب المفاهيم، حتى بات رجل الأمن في نظر الرأي العام هو “المعتدي”، وأصبح “المافيوزو” هو المظلوم.
أما الضحية هنا، فهي الشارع “السني” بطبيعة الحال. فتخيلوا أن الطائفة السنية، من رأس هرمها الديني في دار الإفتاء إلى رأس هرمها السياسي في الحكومة، تحولت إلى أداة دفاع عن صاحب المولد! وتخيلوا أن المواطن المنهوب ذهب ليدافع عمن يسرقه، ويهاجم رجل الأمن الذي يحاول فرض التسعيرة الرسمية لحمايته.
ألا يذكركم هذا بالمواطنين الذين نهبت منظومة المصارف جنى عمرهم، فهاجموا كل من حاول المحاسبة، لدرجة أن أحد المودعين قال علناً: “لا أريد استرجاع وديعتي إذا كان ذلك سيتّم على يد غادة عون”؟
ألا يذكركم هذا بمقولة أن الرئيس بري هو “صمام الأمان ومدوّر الزوايا”، بينما تاريخه كأمير حرب مع كل ما يرافق هذا اللقب من إرتكابات، ومآثره في استباحة المال العام وخرق الدستور واحتلال إدارات الدولة واضحة للعيان؟
ألا يذكركم بمقولة أن وليد جنبلاط شخصية “لطيفة” تملك “أنتينات” التغيرات الدولية، متناسين تاريخه كأمير حرب، ذبح وتهجير واستيلاء جماعته على معظم أموال عودة المهجرين؟
ألا يذكركم بإجماع الطقم السياسي والإعلامي على أن “وزراء سمير جعجع نضاف”، رغم أن تاريخه لا يختلف عن جنبلاط وبري لا بل أسوأ لأنه افتعل في بيئة المسيحيين أيضاً، بينما وزراءه غارقون في ملفات فساد مثبتة بالصحة، بالمهجرين، بالمحسوبيات، وآخرها ببواخر الفيول ومن ثم فضيحة الـ 10 ملايين دولار المرتبطة بملحم الرياشي؟
ألا يذكركم بمقولة أن الحريري “علّم وعمّر”، بينما تؤكد الأرقام أنه دخل السلطة بثروة مليار ونصف دولار، وغادرها مورثاً لعائلته 19 ملياراً ومركباً ٣٣ ملياراً ديناً على الشعب اللبناني، مع استثناء عائلته من رسوم الإنتقال؟

الشرح يطول والأمثلة كثيرة عن الـ Spin Propaganda التي تتقنها الميليشيات والمنظومة، بفعل ارتهانها لمحاور وسفارات متخصصة في تدوير الرأي العام وتوجيهه بما يخدم أجنداتها.

إن الخطورة الحقيقية لهذا “التدوير” لا تكمن في تجميل القبح فحسب، بل في قدرته على جعل الضحية تتبنى رواية جلّادها وتستميت في الدفاع عنه.
نحن نعيش في غيبوبة جماعية مصطنعة، صُممت أدواتها في غرف سوداء لتجريدنا من المنطق والمصلحة الوطنية، واستبدالها بعصبيات عمياء.
فهل تتصورون بعد اليوم أنه من الممكن ملاحقة مافيوزي المولدات في الضاحية الجنوبية، الأشرفية أو الجبل؟
لذا، فإن كسر حلقة الـ “Spin” يبدأ من التوقف عن استهلاك الأكاذيب المعلّبة، والعودة إلى الحقائق المجرّدة، فالمسألة ليست صراعاً مذهبياً ولا سياسياً، بل هي وبكل بساطة: صراع بين دولة القانون والأوادم التي يحاولون وأدها، ومافيات المحاصصة الفاسدة والزعران التي تدوّر الزوايا لتلتفّ حول رقابنا جميعاً.