طلال عساف – الجمهورية
لم يعُد ترفاً سياسياً النقاش في جدوى الانتقال إلى مسار تفاوضي مباشر، بل بات ضرورة وطنية تفرضها حدود القدرة على الاحتمال. فلبنان لا يستطيع تحمُّل كلفة حروب مفتوحة، ولا الاستمرار في حالة استنزاف الدولة والمجتمع والاقتصاد معاً. من هنا، تنطلق أي مقاربة استراتيجية من أولوية مزدوجة: تثبيت الاستقرار، واستعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة.
أولاً، لا ينبغي اختزال وقف إطلاق النار بكونه غاية نهائية، بل التعامل معه كنافذة سياسية يجب استثمارها. المؤشرات الدولية، بما فيها الحديث عن فرص تسوية قريبة أو لقاءات على مستويات رفيعة، تفتح مجالاً نادراً لإعادة تموضع لبنان ضمن معادلة تفاوضية جديدة. غير أنّ هذه اللحظة لا تعني انزلاقاً إلى تطبيع مجاني، بل تمثّل منصة يمكن للبنان أن يدخلها من موقع المصلحة الوطنية، لا من موقع الإكراه.
ثانياً، التفاوض المباشر ليس تنازلاً بل أداة سيادية. أثبتت التجارب السابقة أنّ القنوات غير المباشرة، على رغم من ضرورتها في مراحل معيّنة، أبقت النزاع مفتوحاً على احتمالات التصعيد، وأدارت الأزمات بدل حلّها. أمّا التفاوض المباشر، فيُتيح وضع مجمل الملفات دفعة واحدة على الطاولة: من الانسحاب الإسرائيلي الكامل، إلى تثبيت الحدود، وصولاً إلى ضمانات دولية ملزمة. والغاية لا تقتصر على التهدئة، بل الوصول إلى اتفاق واضح يحدِّد الحقوق والواجبات، ويؤسس لاستقرار طويل الأمد، ويفتح الباب أمام استثمار الموارد الوطنية ومعالجة الأعباء المتراكمة، بما فيها ملفا اللاجئين الفلسطينيِّين والنازحين السوريِّين.
في هذا السياق، تبرز ضرورة استخلاص العِبر من التجارب اللبنانية السابقة ضمن 3 مراحل متمايزة: مرحلة ما قبل مدريد (1922–1982)، مرحلة التفاهمات السياسية – الأمنية (1992–2006)، ومرحلة إدارة التصعيد (2006–2024).
أظهرت هذه المراحل مجتمعة أنّ المقاربات الجزئية لم تُنتج سوى استقرار هشّ. فمنذ ترتيبات ترسيم الحدود في مطلع القرن العشرين، ولا سيما اتفاق بوليه – نيوكومب (1922)، التي عكست مقاربة تقنية للحدود من دون تثبيت سياسي مستدام، مروراً باتفاقية الهدنة سنة 1949 التي نظّمت الاشتباك من دون أن تنهيه، ثم محطات الصراع الكبرى من عملية الليطاني سنة 1978 وقرار مجلس الأمن 425، وصولاً إلى اجتياح سنة 1982 وما أعقبه من اتفاق 17 أيار الذي لم يصمد بفعل ربط الانسحاب الإسرائيلي بالانسحاب السوري، يتبيَّن أنّ المقاربات المتعاقبة بقِيَت أسيرة إدارة التوازنات لا حسمها.
مع مرحلة ما بعد الطائف، انفتح لبنان على المسار التفاوضي المنبثق عن مؤتمر مدريد (1992)، كمحاولة للانتقال إلى حل سياسي غير مكتمل. لاحقاً، شكّل تفاهم نيسان (1996) نموذجاً لإدارة الاشتباك لا لحلّه، إذ نجح في ضبط قواعد المواجهة من دون معالجة جذور النزاع. وتكرّر النمط نفسه في التفاهمات التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي سنة 2000، حيث جرى احتواء التوتر بدل إنهائه، وصولاً إلى القرار 1701 (2006) الذي مثّل إطاراً دولياً لإدارة التصعيد وضبط قواعد الاشتباك في الجنوب، لكنّه بقي احتوائياً أكثر منه تسوية سياسية.
حتى اتفاق تشرين الثاني 2024، على أهمّيته في خفض التصعيد، بقي ضمن إطار تهدئة موقتة تفتقر إلى أفق سياسي نهائي.
يتبيّن من ذلك أنّ الاكتفاء بمقاربات مرحلية غير مدعومة برؤية سيادية شاملة وضمانات تنفيذية ملزمة، يؤدّي حتماً إلى إعادة إنتاج الأزمة. لا يكمن التحدّي في تحسين شروط الاحتواء، بل في الانتقال إلى مسار تفاوضي حاسم يُنهي أسباب النزاع بدل إدارتها.
ثالثاً، يكمن جوهر أي تسوية مستدامة في استعادة الدولة قرارها الحصري في السلم والحرب. فلا يمكن بناء استقرار فعلي في ظل تعدُّدية مراكز القرار. وعليه، فإنّ حصر السلاح بيَد الدولة ليس مطلباً سياسياً ظرفياً أو فئوياً، بل شرط وجودي لبقاء الكيان. غير أنّ مقاربة هذا الملف لا يمكن أن تكون أحادية، بل ينبغي أن تندرج ضمن إطار تفاوضي وطني متكامل، مدعوم بضمانات دولية فاعلة، بما يوفّر للبنان شبكة أمان سيادية ترفع عنه ذرائع استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة.
رابعاً، لا تتجاهل هذه المقاربة الهواجس المشروعة، بل تُعيد ترتيبها ضمن معادلة الكلفة والجدوى. فرفض التفاوض يفترض ضمناً القبول بكلفة اللا-حل: اقتصاد منهك، استثمارات غائبة، هشاشة أمنية مستمرة، وتآكل تدريجي في البُنية الاجتماعية. في المقابل، تفتح التسوية المدروسة الباب أمام إعادة الإعمار، واستعادة الثقة الدولية، وإعادة إدماج لبنان في دور إقليمي أكثر توازناً.
خامساً، يبرز البعد العربي كرافعة أساسية لأي مسار إنقاذي. فالدعم المتوقع من دول الخليج، يرتبط عضوياً بقيام دولة لبنانية قادرة، ذات سيادة، ومنخرطة في سياسة خارجية متوازنة. كما أنّ أي انخراط إقليمي إيجابي، بما في ذلك الدور الإيراني، يبقى عاملاً مكمِّلاً إذا ما صُبّ في اتجاه تثبيت الاستقرار. تالياً، تمرّ إعادة وصل لبنان بعمقه العربي حكماً عبر مسار تفاوضي جدّي يُعيد إنتاج الثقة السياسية ويفتح آفاق الدعم والاستثمار.
سادساً، يصبح المسار التفاوضي خياراً عقلانياً وواجباً وطنياً، وربما الخيار الوحيد القابل للحياة. فهذا المسار، إذا أُدير بثوابت واضحة ورؤية استراتيجية، يمكن أن يفضي إلى معادلة متوازنة: انسحاب إسرائيلي كامل، دولة تحتكر السلاح، ولبنان خارج لعبة المحاور.
هي ليست تسوية على حساب طرف، بل تسوية لمصلحة الدولة والمجتمع معاً. تسوية تعيد تعريف موقع لبنان، من ساحة نزاع مفتوح بلا نهاية، إلى دولة قادرة على إنتاج الاستقرار.


