إنه ليس بشعورٍ “مريح” أن أرى وطني لبنان يفاوض عدواً مجرماً من موقعٍ هزيلٍ، ضعيفٍ، وشبهِ مهزوم. وقد يكون ساذجاً، أو يعيش حالةً من الإنكار، مَن لا يشعر بذلك.
أما وقد وصلنا إلى هذه الحالة، فتعالوا نستذكر بضع محطاتٍ في تاريخنا الحديث، ومنها نستطيع أن نفصل القمح عن الزؤان:
عام 1989: واجه ميشال عون العرب والأجانب وحيداً عندما اعترض على “اتفاق الطائف”، لاسيما في جزئه المتعلق بالانسحاب السوري، الذي سُمّي “إعادة انتشار” بعد سنتين من تشكيل أول حكومة وحدة وطنية؛ مطالباً بضماناتٍ دولية ليقينه بأن السوري لن ينسحب… وهكذا كان، فهو لم ينسحب.
حرب عام 1990: في مواجهة الميليشيات -ورأس حربتها “القوات اللبنانية”- قال الجنرال لجعجع: “يا سمير، إذا ربحتَ فأنت خاسر، وإذا خسرتَ فأنت خاسر”. وما لبث أن فرح جعجع بسقوط “المنطقة الحرة” تحت الاحتلال السوري بالتنسيق العسكري والمدفعي التابع لقواته، حتى أُدخل السجن وخسر كل ما كان يعتقده انتصاراً.
عام 2005: بعد إقرار القرار 1559 وقبل اغتيال رفيق الحريري، أرسل الجنرال موفداً إلى دمشق وسلّم رسالةً إلى القيادة السورية يدعو فيها إلى الحوار لتبديد الهواجس؛ ومن دون أن يصيغها كتابةً، ألمح إلى أنه لا يريد لجيشها انسحاباً مذلاً، بل توافقاً مع شعاره في ذروة “حرب التحرير” حين أعلن: “نحن ضد سوريا في لبنان، لكننا مستعدون لبناء أفضل العلاقات معها بعد انسحابها”… كابرت القيادة السورية، فكان اغتيال الحريري والانسحاب المذل للجيش السوري.
عام 2006: بعد اشتداد الضغط العربي والدولي على حزب الله مما جعله في وضعٍ حرج (“ظهره إلى الحائط”)، استذكر الجنرال حالة “الجبهة اللبنانية” عام 1975 وكيف أن الشعور بالاستهداف أنتج حرباً أهلية؛ فبادر تجاه الحزب وأبرم تفاهماً مضمونه “لبننة” قرار حزب الله، وبنوده الأهم: بناء الدولة، مكافحة الفساد، والاستفادة من ترسانة الحزب العسكرية ضمن استراتيجية دفاعية وطنية تحمي لبنان من موقع الشرعية… كابر الحزب ولم ينفذ ورقة التفاهم وبدأت رحلة إنهياره.
نوفمبر 2021: حاول الجنرال (الرئيس) تغيير رياض سلامة بعد امتناع الأخير عن التعاون في ملف التدقيق الجنائي؛ فكابرت قيادات الميليشيات (السابقة) وهددت بحرق البلد إن تم تغيير سلامة (وكلنا يذكر مروحية “العجلة” من المصيلح إلى بعبدا)، وساعدتها في ذلك حملة إعلامية مأجورة، حتى وصلنا إلى “جهنم” مالي واقتصادي أحرق مدخرات اللبنانيين وأبقى فقط على مدخرات قادة الميليشيات ومنظومة المصارف.
أواخر ديسمبر 2021: أعطى الرئيس ميشال عون حزب الله فرصةً أخرى عبر دعوته قيادات البلد وأحزابها إلى حوار وطني للبت في بندين لا غير: إقرار الاستراتيجية الدفاعية، وإقرار اللامركزية الإدارية الموسعة.
تهرّب حزب الله واحتمى خلف نبيه بري، الذي بدوره حرّك حلفاءه من “الميليشيات السابقة” (سمير جعجع ووليد جنبلاط)، فجاء رفض الحوار منهما أولاً.
أكتوبر 2023: بعد إعلان حزب الله “حرب إسناد غزة” بطلبٍ إيراني -كما بات معلوماً- أرسل الحزب وفداً إلى الجنرال في الرابية، فسمع منه كلاماً رافضاً بالمطلق لهذه الحرب، موضحاً للوفد أن هذه المعركة ليست كعام 2006، وأنه (أي الجنرال) خائف عليهم وعلى السيد نصر الله شخصياً… كابر الوفد ومنهم من ابتسم ساخراً، فكان ما كان إلى يومنا هذا.
نكتفي بهذا القدر من المحطات المفصلية كي لا نطيل، ونذكّر أخيراً بموقف “التيار الوطني الحر” الدائم: إن أي سلام مع إسرائيل بوصلته هي “المبادرة العربية للسلام” (بيروت 2002).
نستذكر كل هذا لنقول إن الجنرال ميشال عون قرأ ما هو قادم على المنطقة، وأراد من خلال بناء استراتيجية دفاعية في دولة قوية وخالية من الفساد الذهابَ إلى مفاوضات ندّية في يوم الاستحقاق.
للأسف، لم يحصل ذلك لأن الميليشيات كانت -ولا تزال- أقوى من أي فكر وطني سيادي حر ومستقل، ولأن شعوبنا اللبنانية تأقلمت أو “تدجّنت” -أياً كان التوصيف- فنحن شعوب لا تحاسب، ولا تقرأ، تعيش اللحظة وتطلب دوماً “عفا الله عما مضى”. فهل نستفيق يوماً؟
جو خوري

