Categories محليات

كيف يخدم الحصار الأمريكي لمضيق هرمز مصالح إيران ويعزز موقفها التفاوضي؟

يترقب الاقتصاد العالمي أزمة حادة في قطاع الطاقة، عقب بدء الولايات المتحدة الأمريكية فرض حصار على مضيق هرمز، فيما تحاول واشنطن طمأنة الأسواق الدولية، مؤكدة أن الإجراءات المزمع تنفيذها لن تمس حرية الملاحة في الممرات المائية. 

وفي مقال رأي للكاتب جدعون رايشمان، نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز“، سلط فيه الضوء على أبعاد المواجهة الحالية بين واشنطن وطهران، محذراً من أن سياسة الحصار التي ينتهجها الرئيس ترامب قد تؤدي إلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة تخدم مصالح إيران وتعزز موقفها التفاوضي.

وقال رايشمان: إن ترامب يدعي بأنه خبير في “فن التفاوض”، لكن المباحثات الصبورة ليست من أسلوبه، فبعد عطلة نهاية أسبوع من محادثات السلام الفاشلة مع إيران، قررت الولايات المتحدة التصعيد مجدداً بإعلان الحصار.

وهي تكتيكات من المرجح أن تأتي بنتائج عكسية، فقد تسبب إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بشكل حاد، إلا أن الحصار الأميركي سيتسبب بالفعل في ارتفاع أسعار النفط والغاز أكثر. 

ويعتقد الإيرانيون أن الوقت في صالحهم في هذه المواجهة، فكلما طال أمد إغلاق مضيق هرمز، ازداد الضغط الاقتصادي والسياسي على الولايات المتحدة وحلفائها، والنتيجة أن موقف إيران التفاوضي بات أقوى – إذا ما استؤنفت محادثات السلام. 

ووصف فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، فقدان نحو 20 بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية بأنه “أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ”، محذراً من أن الأزمة الحالية تفوق بكثير الآثار المجتمعة لصدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي. 

ورغم أن الآثار الاقتصادية للحرب الحالية خُفّفت لفترة من الزمن، نظراً لوجود كميات كبيرة من النفط والغاز من الخليج في البحر بالفعل حين شنت أمريكا والاحتلال الحرب على إيران، إلا أن آثار إغلاق المضيق، وهجمات الحرس الثوري على البنية التحتية للطاقة في الخليج، بدأت تظهر بوضوح الآن.

وأضاف أن “ارتفاع أسعار البنزين في محطات الوقود ليس سوى البداية. وسيؤثر نقص وقود الطائرات على حركة النقل الجوي، مما سيضر بالسياحة قبيل موسم الصيف الحاسم في أوروبا. وقد يؤدي نقص الهيليوم، الذي يُنتج معظمه في قطر، إلى توقف إنتاج أشباه الموصلات”. 

كما سيتضرر إنتاج الغذاء بسبب نقص الأسمدة، مما سيؤدي إلى مزيد من التضخم. وقد توقع بنك التنمية الآسيوي مؤخراً أن أزمة الطاقة قد تُقلل النمو بأكثر من 1 بالمئة هذا العام في الدول النامية في آسيا.

وأوضح أن ترامب يأمل أن يُجبر الضغط الاقتصادي المُمارس على إيران، من خلال فرض الحصار، على التراجع سريعاً. لكنّ نظام طهران مُحنّك، لا يرحم، ويُقاتل من أجل البقاء، خاصة وأنّ إيران تمتلك أيضاً احتياطياً من الدخل الناتج عن مبيعاتها النفطية الأخيرة بأسعار مرتفعة. 

وأكد أنه إذا ما فشل حصار ترامب في إخضاع إيران لإرادة الولايات المتحدة، فستواجه الولايات المتحدة خيارات بالغة الصعوبة. وقد لوّح الرئيس بإمكانية تدمير البنية التحتية الإيرانية، ويشير أحياناً إلى أنّ عملية عسكرية لفتح المضيق ستكون سهلة. 

إلا أن الحقيقة غير ذلك، فلو كانت هذه خيارات جيدة أو قابلة للتطبيق فعلاً، لكانت قد جُرّبت بالفعل. حتى لو نجحت الولايات المتحدة في إرسال بعض السفن الحربية عبر المضيق، فلن يضمن ذلك سلامة الملاحة التجارية. 

وليس من الضروري أن يُغرق الحرس الثوري الإيراني كلّ ناقلة أو يحاصرها، فبعض الهجمات بطائرات مُسيّرة أو زوارق سريعة ستجعل حركة ناقلات النفط شبه مستحيلة التأمين. 

وعليه، إذا ما قرّرت الولايات المتحدة التصعيد أكثر عبر تنفيذ تهديدات ترامب بتدمير محطات توليد الطاقة ومحطات تحلية المياه الإيرانية، فقد هدّد الإيرانيون بالمقابل باستهداف منشآت مماثلة في الخليج. ومن دون المياه العذبة التي تُنتجها محطات التحلية، ستكون الحياة شبه مستحيلة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

وسبق أن استُهدف خط أنابيب النفط الذي يعبر السعودية إلى البحر الأحمر، والذي يوفّر بديلاً للتصدير عبر مضيق باب المندب، وقد يتعرّض لهجوم آخر، كما أن محطات الضخ لدى المملكة على الساحل معرّضة للخطر. 

وقد يسعى حلفاء الحوثيين في إيران إلى منع صادرات الطاقة عبر البحر الأحمر، باستهداف السفن في مضيق باب المندب، ولا تقتصر الآثار السياسية والاستراتيجية لهذه الحرب على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من ذلك. 

فقد كادت احتجاجات أسعار الوقود في أيرلندا أن تشلّ حركة البلاد الأسبوع الماضي، ما دفع الحكومة إلى استدعاء الجيش لإعادة فتح الطرق السريعة والموانئ، والإعلان عن دعم للوقود بقيمة 505 ملايين يورو. 

وبعيداً عن أيرلندا، فمن غير المرجّح أن تمتلك الحكومات الأقل قدرة مالية في آسيا وأوروبا الموارد المالية الكافية لتهدئة المتظاهرين. فرنسا المثقلة بالديون، والتي لها تاريخ من الاحتجاجات على أسعار الوقود، تستعدّ بالفعل لمواجهة اضطرابات قبيل الانتخابات الرئاسية العام المقبل. 

ومع إصرار إدارة ترامب على أن نظام الرسوم الإيراني غير مقبول، فإن الولايات المتحدة محقّة في أن تداعيات ذلك على حرية الملاحة في العالم وعلى ميزان القوى في الشرق الأوسط ستكون وخيمة.

فإيران، الدولة الوحيدة، ستسيطر سيطرةً مربحة على إمدادات النفط والغاز العالمية، وهو ما سيحوّلها إلى نسخة أكثر تطرّفاً وتركيزاً من منظمة أوبك. ويمكنها استخدام هذه العائدات لإعادة بناء شبكاتها بالوكالة وبرنامجها النووي. 

كما أن التفاوض لإنهاء الحرب، وأزمة الطاقة التي تسبّبها، سيتطلّب رؤية استراتيجية، وصبراً، وقدرة على فهم المقايضات وبناء التحالفات. وهي جميعها صفات يفتقر إليها ترامب. يا لها من فوضى!.

في خضم تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وجّه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف انتقاداً لاذعاً للرئيس ترامب، محذراً من أن أي محاولة لتشديد القيود البحرية على إيران قد لا تبقى محصورة في إطارها الجيوسياسي، بل قد تمتد آثارها سريعاً إلى الداخل الأمريكي، عبر قفزات حادة في أسعار الوقود.

في منشور على منصة “إكس”، كتب قاليباف محذراً: “استمتعوا بأسعار الوقود الحالية”، وأشار إلى أن المستهلك الأمريكي قد يحنّ قريباً إلى أسعار تتراوح بين 4 و5 دولارات للجالون، إذا ما تفاقمت الأزمة، ويعكس هذا الخطاب محاولة إيرانية لتسليط الضوء على الكلفة الداخلية لأي تصعيد خارجي.

https://x.com/mb_ghalibaf/status/2043425869570416802?s=46&t=Bo57woGqTDgvkA8zgspO9A