Categories مال وأعمال

السلام كصدمة اقتصادية إيجابية مشوّهة في ظل الفساد: لماذا قد يفشل في إنقاذ لبنان؟

 

في الأدبيات الاقتصادية، يُنظر إلى السلام عادةً كصدمة إيجابية تدفع النمو، وتخفّض المخاطر، وتفتح الباب أمام الاستثمار والتعافي. وفي الحالة اللبنانية، يبدو هذا الطرح مغريًا أكثر من أي وقت مضى: اقتصاد منهك، عملة هشّة، ونظام مصرفي شبه معطّل. لكن هذه النظرة، رغم وجاهتها النظرية، تتجاهل عنصرًا حاسمًا: طبيعة البيئة المؤسسية التي سيقع فيها هذا السلام

في ظل فساد بنيوي، وضعف في الحوكمة، وتشابك بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية، قد لا يتحوّل السلام إلى فرصة إنقاذ، بل إلى صدمة اقتصادية إيجابية مشوّهة تُنتج نموًا شكليًا، وتُعيد توزيع المكاسب بشكل غير عادل، دون معالجة جذور الأزمة.

 

 

السلام على الورق مقابل السلام في الواقع

 

الاتفاقيات الدولية لا تُقاس بتوقيعها، بل بقدرة الدول على تنفيذها. السلام يتطلب:

مؤسسات قادرة على فرض القوانين  

شفافية في إدارة الموارد  

تنسيقًا أمنيًا فعالًا  

 

لكن في لبنان، حيث تعاني الدولة من ضعف مزمن، وتُسيطر منظومة من الأحزاب السياسية المتهمة بالفساد على مفاصل القرار، وحيث تلعب قوى غير رسمية مثل Hezbollah دورًا يتجاوز مؤسسات الدولة، يصبح تنفيذ السلام انتقائيًا وخاضعًا للمصالح السياسية، ومحدود الفعالية على أرض الواقع.

 

النتيجة: استقرار هشّ بدلًا من سلام مستدام.

 

من اقتصاد الفرص إلى اقتصاد الريع

 

السلام يفتح الباب أمام تدفقات مالية:

إعادة إعمار  

استثمارات خارجية  

مشاريع طاقة  

دعم دولي  

 

لكن في بيئة فاسدة، تتحول هذه التدفقات إلى ريع اقتصادي يُلتقط من قبل النخب:

 

عقود تُمنح دون منافسة عادلة  

مشاريع تُسعَّر بأعلى من قيمتها  

مساعدات لا تصل إلى مستحقيها  

 

بدلًا من تحفيز اقتصاد إنتاجي، يُعاد إنتاج اقتصاد الزبائنية والمحسوبيات.

 

 

الاستثمار لا يثق بالسلام وحده

 

المستثمرون لا يكتفون بغياب الحرب. هم يسألون:

هل القضاء مستقل؟  

هل القوانين تُطبّق؟  

هل يمكن حماية رأس المال؟  

 

في ظل غياب هذه الشروط، يبقى الاستثمار محدودًا، قصير الأجل، وعالي المخاطر.  

أي أن السلام يُحسّن الصورة، لكنه لا يُغيّر الواقع الاقتصادي العميق.

 

 

الليرة بين الاستقرار المؤقت وفقدان الثقة

 

قد يؤدي السلام إلى تحسّن في تدفقات الدولار، وانخفاض في التوتر، واستقرار نسبي في سعر الصرف.  

لكن دون إصلاحات، تبقى الثقة بالعملة ضعيفة، ويستمر الاعتماد على الدولار، وتعود التقلبات عند أول صدمة.

 

السلام هنا يعمل كـ”مهدّئ مؤقت”، لا كعلاج جذري.

 

 

 

النظام المصرفي: الأزمة التي لا يُصلحها السلام

 

أحد أكبر التحديات في لبنان هو النظام المصرفي، الذي يعاني من خسائر غير معترف بها، وغياب الشفافية، وفقدان ثقة المودعين.

 

السلام لا يعيد الودائع، ولا يُعيد هيكلة المصارف.  

بدون إصلاح فعلي، يبقى الاقتصاد نقديًا، ويتعطل الإقراض، وتتقلص فرص النمو الحقيقي.

 

 

من يربح فعليًا؟

 

في ظل هذا الواقع، تتوزع المكاسب بشكل غير متكافئ:

 

النخب السياسية والاقتصادية: تستفيد من تدفقات الأموال والمشاريع  

أصحاب الأصول (خاصة العقارات): يحققون أرباحًا سريعة  

الطبقة الوسطى: تستفيد جزئيًا، دون استقرار حقيقي  

الطبقات الفقيرة والمودعون: يبقون خارج دائرة الاستفادة  

 

النتيجة: نمو غير شامل، وعدم مساواة متزايدة.

 

 

الخلاصة: استقرار بلا تحول

 

السلام، في حد ذاته، ليس كافيً.  

هو شرط ضروري، لكنه ليس شرطًا كافيًا للتعافي الاقتصادي.

 

في غياب إصلاح مؤسسي حقيقي، يُخفّض السلام المخاطر، لكنه لا يُنتج ازدهارًا، بل قد يُعيد إنتاج الأزمة بشكل أكثر هدوءًا.

 

السلام في بيئة فاسدة لا يُنقذ الاقتصاد، بل قد يُجمّل انهياره.

 

 

ما المطلوب؟

 

لكي يتحول السلام إلى فرصة حقيقية، يحتاج لبنان إلى:

 

قضاء مستقل  

شفافية في الصفقات العامة  

إعادة هيكلة عادلة للنظام المصرفي  

تعزيز دور الدولة كمؤسسة، لا كشبكة مصالح  

 

بدون ذلك، سيبقى السلام فرصة ضائعة، أو أداة لإعادة إنتاج الفساد تحت غطاء الاستقرار.

 

 

كلمة أخيرة

 

قبل تحويل السلام إلى فرصة، يجب أولًا تنظيف الدولة من الفساد.

 

فأي سلام يُبنى فوق نظام فاسد لن يُنتج ازدهارًا، بل سيُعيد توزيع الأزمة بشكل أكثر هدوءًا. وبدون دولة شفافة  و قادرة، سيبقى السلام مجرّد واجهة، بينما يستمر الانهيار في العمق.