عود على بدء: “طوبى لصانعي السلام..” كانت شعار زيارة البابا لاوون الرابع عشر التاريخية لبنان، من ٣٠ تشرين الثاني لغاية ٢ كانون الأول ٢٠٢٥. وفي القرآن آية تقول” “إنْ جنحوا للسلم فاجنح لها”. وقبل الاثنين نقل متى الرسول عن السيد المسيح قوله: “طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض”.
من أين جاء شعار البابا لاوون الرابع عشر “طوبى لصانعي السلام”. لقد جاء من القسم الأول من قول السيد المسيح لتلاميذه، كما ذكر متى الرسول: “طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون”.
الله، الله، ما اكرمكم وما أسعدكم وما أسمى موقعكم يا صانعي السلام لأنكم انتم أبناء الله. وهل من شرف يداني شرف من يدعى بين الناس انه إبن الله القدوس؟؟ ولماذا يتمتع بهذا الشرف يا ترى؟ لأنه صانع سلام يحفظ أبناء الله من ويلات الحروب ودمارها واحقادها وخسائرها البشرية والمادية والمعنوية.
في هذا السياق كتب الوزير السابق، والشاعر والاديب، الأستاذ جوزف الهاشم: “كل حرب في التاريخ لا يمكن ان تنتهي بذاتها بل: اما بمعاهدات صلح واما بانتصار فريق على فريق، او بمعاهدة هدنة”. وأورد أمثلة من التاريخ منذ حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب إلى الحرب بين ايران والعراق والحرب العالمية الأولى ثم الثانية إلى أن قال: “الشعب الجائع لا يستطيع ان يكون مقاوماً… والسلاح بلا خبز ولا ماء لا يستطيع ان يمنح الشعب تأشيرة دخول إلى السماء..”
ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني ان الاقتصاد المزدهر والشعب الشبعان هما أساس المقاومة وعنصرا نجاحها الأساسيان. أما الدولة التي مثل الدولة اللبنانية، راهناً، فكثير جداً عليها أن تحلم بمقاومة قادرة وناجحة. دولة تعيش على الهبات والمساعدات، و “تشحد” حتى رغيف الخبز من معاجن الاشقاء والأصدقاء. حتى المقاومة نفسها تفاخر بأن سلاحها وطعامها وأموالها هي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية!! يعني بضاعة غير لبنانية.
ولا يكفي، أبداً، أن يكون جمهور المقاومة ملتزماً عقائدياً ومذهبياً، وجاهزاً لبذل الأرواح بسخاء حاتمي ليؤمّن النصر للمقاومة ولمشروع من يسلّحه ويطعمه ويموله، والوطن مشلّع منخور بسوس الفساد والتشبيح ومخالفة الدستور والقوانين بوقاحة وفجور ما عرفهما لبنان حتى إبّان الحكم العثماني وفساده. طالما ان جمهور المقاومة هو لبناني ويعاني ما يعانيه اللبنانيون.
في الأمثال: “صديقك من صَدَقَكَ لا من صدّقك” وعلى هدي هذا القول أفهم دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الجميع إلى قبول مبدأ التفاوض مع إسرائيل لعقد اتفاق سلام لا يتنازل لبنان فيه عن حبة تراب واحدة من ترابه. وعلى هديه، أيضاً، استغرب “التلطيش” على الرئيس ورسم علامات استفهام فوق موقفه وكلامه وموقف رئيس الحكومة وكلامه!! فالرجلان جريئان في قول الحقيقة وصادقان مع شعبهما في إعلان كلمة الحق. اما القول ان المطلوب عمل إيجابي من إسرائيل يسبق التفاوض ويبرره فهو يفتقر إلى معرفة ان أعنف فترات القتال كانت تلك التي تسبق التفاوض وتتم إبّانه. راجعوا التاريخ من فضلكم!
لنعترف بدون مكابرة ان لبنان لن يكون في يوم من الأيام ندّاً لإسرائيل بالقوة العسكرية. كل ما يمكن أن تكونه القدرة العسكرية اللبنانية هو رفع نسبة الصمود في وجه أي محاولة إسرائيلية لاجتياح الحدود ريثما تتمكن الدبلوماسية اللبنانية من حمل المجتمع الدولي على منع إسرائيل من تحقيق هدفها. الجيش هو جيشنا جميعاً وله منّا كل المحبة والاحترام والتقدير. وهو ما توانى لحظة عن بذل الأرواح والدماء دفاعاً عن الوطن. ان التشكيك بالجيش خطيئة وطنية وكذلك تحميله ما ليس بمقدوره ان يتحمله. ولذا من الحكمة ان نحرص على عدم إهداء العدو الإسرائيلي الذرائع ليمارس عدوانيته ضد لبناننا. ورأس الحكمة هو أن لا نشيطن بعضنا ونخوّن بعضنا وننحر بعضنا بخناجر العمالة.
مع كل الذي ذُكر من المفيد أن ندندن مع “الصّبوحه”، صناجة الطرب اللبناني: “يا ناس الدنيا دولاب..” ونتذكر ان ألمانيا واليابان انهزمتا في الحرب العالمية الثانية واستسلمتا للحلفاء المنتصرين دون قيد ولا شرط ومنعتا من إعادة تسليح جيشيهما. وانصرفت الدولتان المهزومتان إلى تنشيط اقتصاديهما وراح علماؤهما يغوصون في بحور العلوم والتقنيات المبتكرة، حتى أصبحت الدولتان رائدتين في “حروب” الخلق والابتكار لكل ما هو جديد ونادر ويتجاوز حدود المعارف البشرية السابقة وصارتا مرجعين حتى للدول التي فرضت عليهما الاستسلام دون قيد أو شرط ولغيرها من الدول في العالم، لأنهما الدولتان المنتصرتان بالفكر والعلم وليس بالحديد والنار. وفي رأيي هذه هي الحرب التي على العرب شنها على إسرائيل لانهم يملكون المال الذي يمكّنهم من خوض غمارها، وتسخير عقول خلاقة كثيرة الانخراط فيها لمصلحتهم، إلى جانب قدراتهم الذاتية التي تقوى وتتنوع باستمرار. ويجب ان لا ننسى قول نايليون: “المال يفعل كل شيء”.
حكمة. س. أبو زيد
صحافي وكاتب سياسي


