Categories محليات

سمير جعجع.. “عرّاب” الإسلام السياسي في الساحة المسيحية؟

يخطئ الشارع المسيحي في كل مرة ينجرّ فيها إلى الرد الفوري على تصريحات رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، دون الغوص في عمق “الأدوار” الوظيفية التي يؤديها. فالمشكلة مع “جعجع” ليست فيما ينطق به، بل في حقيقة أفعاله الموثقة تاريخياً وحاضراً، والتي تشير بوضوح إلى منهجية تهدف لتصفية الدور المسيحي الفاعل، وتحويل لبنان إلى ساحة يحكمها “الإسلام السياسي”.

من إهدن إلى الطائف: تصفية “الحالة البشيرية”.
منذ اختياره لقيادة عملية إهدن، ظهر جعجع كأداة لضرب المرجعيات المسيحية. لم تكن مواجهته مع بشير الجميل مجرد تباين في وجهات النظر، بل وصلت إلى حد وضع الرشاش في صدر بشير. وبعد استشهاد بشير، تولّى جعجع مهمة إنهاء إرثه، فساهم في تهجير المسيحيين من الجبل وشرق صيدا بالتنسيق والتقريق مع وليد جنبلاط.
لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل انقلب على أمين الجميّل مهدداً حياته، وصولاً إلى الإطاحة بـ”الاتفاق الثلاثي” بالنار وبهدر دم الشباب المسيحي؛ وهو الاتفاق الذي كان لينهي الحرب بأقل الخسائر للشراكة المسيحية. ليعود لاحقاً ويسير بـ”اتفاق الطائف” الذي نحر تلك الشراكة وأهدى لبنان للنظام السوري وصعود حكم الإسلام السياسي.

حروب الإلغاء وتنسيق غدراس.
بأوامر من السفير الأمريكي جون ماكارثي، شن جعجع “حرب الإلغاء” ضد حكومة لبنان الشرعية، ونسّق مع غازي كنعان في غدراس لتمهيد الطريق لاحتلال المناطق الحرة في ١٣ تشرين ١٩٩٠، مما أدى إلى تغييب المكوّن المسيحي السيادي لسنوات طويلة.

٢٠٠٥: التحالف مع “الرباعي” ضد عون.
عقب العفو عنه مع إرهابيي الضنّية في عام ٢٠٠٥، اختار جعجع “التحالف الرباعي” الإسلاموي بدلاً من التنسيق مع الجنرال ميشال عون، الذي عاد بمشروع استرداد الشراكة. ولم يقتصر الأمر على السياسة، بل امتد للأرض؛ ففي ٥ شباط ٢٠٠٦، دافع جعجع عن المجموعات الإسلاموية التي هاجمت كنيسة “مار مارون” وممتلكات السكان في الأشرفية واصفاً إياهم بـ”الحلفاء”، وصولاً إلى إرسال ممثلين عنه إلى عرسال لدعم مجموعات إرهابية كانت تقاتل الجيش اللبناني.

حقبة العهد العوني: “وزراء تعطيل” لا بناء دولة.
خلال عهد الرئيس عون، حصلت “القوات” على أكبر حصة وزارية في تاريخها، لكن وزراءها تحوّلوا إلى أدوات بيد نبيه بري الذي قال “لن أدعه يحكم” (عن الرئيس عون)، فعرقلوا خطط الكهرباء، السدود، الميغاسنتر، مقاعد المغتربين، التدقيق الجنائي وغيرها… فقد فضّل جعجع الحفاظ على عقلية “الميليشيا” وتفخيخ مشاريع الدولة القوية والقضاء المتين، وصولاً إلى الإعتراف بدوره المحوري في “ثورة ١٧ تشرين” التي استهدفت الموقع المسيحي الأول وساهمت في تدمير الإقتصاد وتغطية تهريب الودائع لبعض المحظيين في المنظومة.

جعجع و”الإسلام السياسي”: التماهي الوظيفي.
تدل الوقائع على أن جعجع يمثّل “رأس حربة” لمشاريع تهميش الدور المسيحي لصالح الإمتيازات الإسلامية. يكفي النظر إلى “تبادل القبلات” في ساحة النجمة بين نوابه ونواب الثنائي الشيعي في اليوم التالي لحادثة الطيّونة البارحة، وإحجام وزرائه في الطاقة والخارجية وحلفائه في “العدل” اليوم، عن تقديم إخبار واحد حول ملفات الفساد المزعومة لوزراء التيار العوني، بينما فاحت رائحة فساد وزيره في ملفات بواخر النفط الروسي وهي مثبتة قضائياً.

تجدر الإشارة أننا قد كتبنا حين اعتبر جعجع أنه قد انتصر بانتخاب جوزاف عون وإخراج التيار العوني من حكومة نواف سلام، وقد أعطيناه بضعة أشهر قبل أن ينقلب على جوزاف عون (حصل ذلك) وأن وزرائه سوف يستقيلون من حكومة سلام قبل الإنتخابات ببضعة أسابيع (سيحصل ذلك).

الخلاصة:
إن دور سمير جعجع، كما دور حلفائه اللدودين في منظومة الثنائي الشيعي، جنبلاط والسنيّة السياسية، يعتمد على شحن الشارع غرائزياً قبل كل إنتخابات بهدف تحصيل المكاسب وتثبيت الموقع، ثم وضعها في خدمة أجندة “الإسلام السياسي”. فهل يُلدغ المسيحيون من الجُحر ذاته مرة أخرى؟ الإنتخابات المقبلة ستكون الإختبار الأخير: إما أن يُكرم الناخب في خياره، أو يُهان مرة جديدة.

بقلم: جو خوري